الشيخ محمد علي الأنصاري
444
الموسوعة الفقهية الميسرة
وهذه الهداية يقوم بها الأنبياء والرسل ، وأوصياؤهم . وهؤلاء هم الرسل الظاهريّون ، وهم مؤيّدون بالرسل الباطنيين ، هي العقول التي وهبها اللّه تعالى لبني آدم . وحصيلة هذه الهداية ومخاضها هو تزكية النفوس ، أي إصلاحها وتطهيرها من الرذائل الأخلاقية والصفات الذميمة . وإلى ذلك كلّه أشار الذكر الحكيم في قوله تعالى : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ « 1 » . فجعل الهدف من بعثة الأنبياء ، هو تزكية النفوس وتعليم آيات اللّه تعالى . وجعل في آية أخرى تزكية النفس معيارا للفلاح ، فقال : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها « 2 » ، قال ذلك بعد إقسام طويل من أوّل السورة . قال الطبرسي في مجمع البيان : « وجاءت الرواية عن سعيد بن أبي هلال قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إذا قرأ هذه الآية قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وقف ، ثمّ قال : اللهم آت نفسي تقواها ، أنت وليها ومولاها ، وزكّها وأنت خير من زكّاها » « 3 » . وتهذيب النفس وتزكيتها لا يحصلان إلّا عن طريق اتّباع الأنبياء والأوصياء ، والأخذ بإرشاداتهم ، لا عن الطرق الشيطانيّة التي قد يلتبس على الإنسان تشخيصها ، والتي هي من أهمّ مزالّ الأقدام وأشدّها خطرا . ولأئمة أهل البيت عليهم السّلام محاولات ومحاورات مع مدّعي تزكية النفس من المتصوّفة وغيرهم ، بينوا فيها زيف دعاويهم ، وانحراف طريقتهم . ولا حاجة في طريقة أهل البيت عليهم السّلام لتزكية النفس إلى ترك الدنيا والانعزال عن المجتمع ، ولبس الخشن من الثياب ونحو ذلك من مظاهر التصوّف . بل تبتني التزكية في طريقتهم على الاستفادة من مواهب الدنيا لبلوغ الآخرة ، وعدم التعلّق بزخارفها والإخلاد إليها ، ثمّ الاتصاف بصفات الكمال التي رغّبت الشريعة إليها ، كحسن الخلق ، والتواضع ، والتقوى ، والإخلاص ، والرضا ، والتسليم ، والتوكّل ، والخوف من اللّه ، ورجاء رحمته ، ونحو ذلك مما ذكره علماء الأخلاق . ثمّ الابتعاد عن الصفات الرذيلة ، كسوء الخلق ، والغضب لغير اللّه ، والتكبّر ، واليأس من روح اللّه واتباع الشهوات ، والانغماس في المعاصي ، ونحو ذلك مما نهت عنه الشريعة . وها نحن نذكر ممّا يدلّ على ما ذكرناه
--> ( 1 ) الجمعة : 2 . ( 2 ) الشمس : 9 . ( 3 ) مجمع البيان 10 : 498 .